المسجد الأقصى وأهمية التوحيد
إن من أعظم القضايا التي شغل عنها المسلمون ، وأصبحت في طي النسيان بعد أن كانت حاضرة في الأذهان ، ظاهرة في القلوب ، مركوزةً في العقول ، قضية فلسطين وتسلط أعداء الله الكافرين على المسجد الأقصى ، تلكم القضية الشرعية الدينية ، وليست القضية العربية الفلسطينية .
إن الكلام عن المسجد الأقصى كلامٌ عن قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد صلى إلى المسجد الأقصى حين هاجر إلى المدينة ثمانية عشر شهراً حتى حوَّل الله القبلة إلى المسجد الحرام .
* المسجد الأقصى جمع الله فيه من الفضائل الشيء الكثير ، فهو أحد ثلاثة مساجد لا يجوز شد الرحال إلا إليها ، وهو ثاني مسجد وضعه الله في الأرض فقد سأل أبو ذر النبي صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد وضع في الأرض فقال : المسجد الحرام ، قلت : ثم أي ، فقال : المسجد الأقصى ، قلت : كم بينهما ، قال : أربعون سنة .
*المسجد الأقصى جعل الله فيه البركة ، قال تعالى :( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ) ، وقال تعالى عن سليمان : ( وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ ) .
* والمسجد الأقصى واقع في الأرض التي كانت مستقر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وهو واقع في الأرض التي سيجمع الله الناس في تلك الأرض ثم يصعقون ويبعثون فيها يوم القيامة فقد جاء في الحديث :" أن الشام أرض المحشر والمنشر " ، لكنها أرض غير الأرض كما قال تعالى : ( يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ) .
*إن الكلام عن قضية الأقصى هي قضية شرعية في المقام الأول ، وهو دفاع عن مسلمين قُدِّر لهم أن يعيشوا في تلك الأرض التي تسلط عليها أعداء الله من اليهود الذين انتقصوا الخالق ، وقتلوا الأنبياء ،وتسلطوا عليهم بالأسر والاستهزاء والإيذاء ، وما زال شرهم باقٍ وضررهم متعدٍ ، بل لا نبالغ إن قلنا أنهم وراء كل شر في هذه البسيطة , فهذه الأفكار المنحرفة والمذاهب الهدامة وتدمير الأخلاق والقيم والشر والرذيلة وراءها اليهود .
*دعواهم بأحقيتهم فى أرض فلسطين:
ولا بد من معرفة التسلسل الزمني منذ عهد خليل الله إبراهيم إلى يومنا هذا مع المسجد الأقصى ، وحتى لا يدعي مدعٍ بأن الأرض لهم والمكان مكانهم ، وكأن المسلمين هم الغاصبون المعتدون ، ونسي هؤلاء أن الأرض إنما هي لله تعالى يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين .
- أول من سكن هذه الأرض هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام ،واستمر الأمر حتى جاء زمن يوسف عليه الصلاة والسلام ، وحصل ما حصل له في مصر وتولى خزائنها ثم انتقل أبوه وإخوته إلى مصر واستقروا بها إلى أن جاء زمن موسى بن عمران وحصلت بينه وبين عدو الله فرعون، ثم جاوز موسى ببني إسرائيل البحر حينما فلقه الله لهم وبعد ذلك أمر موسى بني إسرائيل أن يدخلوا الأرض المقدسة وأن يقاتلوا الجبابرة الذين سكنوا فيها فعصوه وكان جوابهم حين قال لهم ( يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ ** قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىَ يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ) ، بل قالوا أبلغ من ذلك قبحهم الله حين قالوا :( قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ) ، فعاقبهم الله بالتيه أربعين سنة وفيها مات موسى وهارون ، ثم دخلوها مع نبي الله داود ثم بنى سليمان المسجد بناءُه العظيم ، وبعد ذلك استولى الرومان على بيت المقدس أكثر من ثلاثمائة سنة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم حتى جاء زمان عمر وفيها فتح بيت المقدس ( إيليا ) وكان ذلك عام 15 هجرية ، ووضعت الشروط العمرية على أهلها مما جعل النصارى يُسلمون طوعاً لما رأوا سماحة الإسلام وعدله وحسن معاملته .
* وواجبنا :-
يتساءل الكثيرين ما الذي يجب فعله تجاه هذه المأساة التي ابتليت بها أمة الإسلام ؟ فأقول :
أولاً : لا يجوز أن تلقي مسئولية الدفاع عن المسجد الأقصى والمقدسات على الحكام فهذه قضية المسلمين جميعاً ، فليست محصورة في الحكام والرؤساء .
ثانياً : يجب أن نستشعر أنها ليست قضية سياسية أو قومية أو قضية أرض وحدود ، بل هي قضية عقيدة ودين وشريعة ليست محصورة في بلد دون بلد ، أو جنسية دون أخرى فهذه يجب أن تكون قضية كل مسلم .
ثالثاً : الإتيان بأسباب النصر التي وضعها رب العزة جل جلاله ، وأعظمها تطهير الاعتقاد عن درن الشرك والإلحاد ، قال تعالى :( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ، فالنصر له أسباب ومن أعظمها تحقيق توحيده عز وجل ،والتحذير من ضده ،فأنى لأمة تدعوا غير الله وتتوجه لغير الله أن تنتصر على عدوها ؟ ومن عجيب ما جاء مما يبين عظم الخلل الذى تعيشه الأمه هذا المثال الذى يبين لنا كيف استبطأ النصر فهذا أحد المنتسبين للعلم يقوم في مجمع البحوث سنة 1968 ليقرأ بيان علماء المسلمين الختامي في نصرة الأقصى فنقول في آخر كلمته التى وجهها للمجتمعين :
كيف تقابلون وجه الله يوم القيامة ؟ وهل تتركون الكعبة المشرفة وقبر الرسول عرضة للدمار ؟ ثم قال : يا سيدي يا رسول الله يا أبا القاسم ، إني أتوجه إليك في هذه الساعة الحرجة من تاريخ أمتك وقلبي يقطر دماً أغثنا يا رسول الله ، أملأ قلوبنا بالإيمان ، وحد صفوفنا ، إنا نبايعك على أرواحنا وأولادنا وأموالنا ، إن مسراك ومعرجك وقبلتك الأولى ، ومساجد يذكر فيها اسم الله تشكو إليك وتستغيثك .
فشد عزائمنا يا رسول الله ، إنا نريد أن نموت ليعلوا اسم الله ولترفع تكبيرات المؤمنين على المآذن ( الله أكبر الله أكبر ) يا أبا القاسم يا رسول الله ، أغثنا لا تتخل عنا فنحن لن نتخلى عنك قدنا إلى الجهاد ، خير لنا أن نموت دفاعاً عن مقدساتنا وأعراضنا وأوطاننا التي انتهكت من أن نحيا عبيداً أذلاء إلى آخر ما قال .
- هذه كلمة قيلت في مجمع علمي وقد شهد هذه الكلمة مجموعة كبيرة ممن حازوا ألقاباً علمية ، فتأملوا كيف يدعوا من دون الله دعاءاً هو عين الشرك الأكبر الذي بعث الله الرسل للقضاء عليه ، فبالله عليكم هل سيعود المسجد الأقصى للمسلمين بالشرك الأكبر؟ وتأمل عقوبة الله لهذا المستغيث وأمثاله وكيف نال المسلمون شر شركه واستغاثته الشركية ففي أقل من سنة قام اليهود بحرق المسجد الأقصى ووضعوا خطة لهدم المسجد الأقصى وبناء هيكل سليمان المزعوم على أنقاضه وحفروا حفراً عميقة حول المسجد ليوهن بنيانه .
وما أحسن ما قال أحد المسلمين لما سقطت الأندلس :" بقينا في الأندلس لما بقينا مع الله ، وضاعت الأندلس لما ضيعنا دين الله " .